آخر الأخبار :

"جولة داخل المدينة العتيقة لطنجة "

 "جولة داخل المدينة العتيقة لطنجة "

جريدة الشمــال - أسامة الزكاري ( تاريخ منطقة الشمال)
السبت 03 مــارس 2018 - 16:45:32

لا شك أن سحر مدينة طنجة قد ظل مثار تأثير قوي على مريدي هذه المدينة الفاتنة. ولا شك أن الكتابة عن إكسير هذا السحر تظل عنصر إلهام متواصل لزوار المدينة ولضيوفها من جل بقاع العالم. ولا شك –كذلك- أن ترجمة عناصر هذا الإلهام في نصوص إبداعية وأعمال تشكيلية تظل أمرا متجددا، مادامت الكتابة عن طنجة قد تحولت إلى سلطة للافتتان وللتخييل وللحلم داخل العوالم العجيبة لمدينة طنجة. ونتيجة لذلك، أصبح بالإمكان الحديث عن كتابة غرائبية اشتغلت على توظيف التمثلات الفردية والجماعية لفضاءات المدينة التاريخية، ولوجوه أناسها البسطاء، ولرموزها المجردة المكونة لخصوبة هويتها التاريخية. فمن ديلاكروا إلى ماتيس، ومن جان جنيه إلى بول بولز، ومن تينيسي وليامز إلى جون كوبكزا، ومن تيد جونز إلى وليام بروز، ومن براين جيسن إلى كلوديو برافو،... تتشكل معالم نسق ناظم للكتابة حول طنجة، ولاستلهام مكونات فضائها العام قصد تحويله إلى منطلق للإبداع وإلى أرضية للتخييل وإلى أفق للتخليد، بالقصة أو بالرواية أو باللوحة أو بالمسرحية أو بالشريط السينمائي.

لقد أصبحت الكتابة عن طنجة بالنسبة لزوارها ولمريديها طقسا صوفيا أنتج نصوصا على نصوص، وتجاربا على تجارب، ومسارات على مسارات، وأضحى الأمر مرتبطا بكتاب المدينة الذي تحولت أسراره إلى قطع متناثرة للعوالم العميقة "لألف ليلة وليلة"، وإلى نتف من الشرق العميق، الشرق الساحر، بعطوره المشتهاة، وبأريجه الأخاذ، وبجاذبيته الدافئة. إنه سحر طنجة الذي لا يمكن أن تجد مثيلا له في أي نقطة أخرى من سطح الأرض، سحر للافتتان وللتمثل وللوجد الصوفي الذي يشد المريد إلى شيخه وإلى مزاره وإلى مركز زهده ومنبع عشقه وأنوار فتحه.

في إطار هذا النهر العرفاني والعجائبي الدافق، صدر للكاتب الفرنسي فيليب كيكي بولوني عملين اثنين، سنة 2016، تحت عنوان "السوق البراني-جولة داخل المدينة العتيقة لطنجة"، في ما مجموعه 105 من الصفحات ذات الحجم المتوسط، والثاني تحت عنوان "أشقار- جولة بطنجة من مرشان إلى رأس سبارطيل"، في ما مجموعه 214 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. ويمكن القول إن نمط الكتابة حول طنجة حسب ما عكسته أعمال كيكي بولوني تستجيب لنهم الذات الفرنسية المتعطشة للكشف عن خبايا طنجة وعن جزئيات هذه الخبايا التي ظلت تضفي على المكان حميمياته المخصوصة. ويزداد هذا الملمح وضوحا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكاتب يعد أحد أكبر عشاق المدينة، بالنظر لاستقراره الطويل بها الذي يعود إلى سنة 1993، ثم لمعرفته العميقة بالكثير من جوانب الثقافة العربية المعاصرة، بالنظر لمسؤولياته داخل العديد من المراكز الفرنسية بنقاط متعددة من العالم العربي، مثل طرابلس الليبية ورام الله الفلسطينية، ثم بالنظر لسلسلة إصداراته المنتشية بخصوبة عطاء الفضاء العام لمنطقة طنجة، مثلما عكسه إصداره المشترك مع الفنان التشكيلي خليل غريب.

وسواء في النص الأول أم في النص الثاني، استطاع كيكي بولوني أن يقدم وصفا انطباعيا دقيقا لجغرافية مدينة طنجة ولمعالم تميز فضائها بمختلف العناصر التي تؤثث جوانبه، على مستوى الشواهد والمخلفات المادية القائمة وكذلك على مستوى التراث الرمزي غير المادي الذي يضفي على المكان دفئه المخصوص وسلطة التخييل المطلق وامتداد الحلم المشرع على الكليشيهات اللامتناهية لمعالم الافتتان والجمال والإثارة.

هي كتابة تستجيب لنهم الذات الغربية الأوربية في الكشف عن طلاسم رؤاها الغرائبية المجددة، وفق آفاق تتجاوز المحددات الكولونيالية لمرحلة القرن 19 والنصف الأول من القرن 20 ولمنطلقاتها الوظيفية التي كانت تستهدف تمهيد المجال المغربي وتفكيكه أمام مشاريع الغزو والاحتلال. وفي المقابل، يمكن القول إنها رؤى مجددة تسعى إلى تكييف انشغالات النخب الأوربية للمرحلة الراهنة تجاه "الآخر"، من خلال التركيز على عناصر "الإشباع العاطفي" والاحتفاء بعناصر الخصب المشترك بين الضفتين الأوربية والمغربية. لذلك، فإن تتبع جولات فيليب كيكي بولوني بين أزقة طنجة ومنعرجات تضاريسها والتواءات دروبها، يساهم في أنسنة الكثير من أوجه الفضاءات المشتركة للمدينة، من خلال مجمل الإسقاطات الحضارية التي تضفي على "غابة الإسمنت" رونقها الجمالي وقيمها الإنسانية الأصيلة، قيم التسامح والجمال والأصالة والانفتاح. باختصار، قيم طنجة التي لا يمكن تخليد تمظهراتها إلا بمثل هذه الكتابات الاسترجاعية المستندة إلى هذا العشق الصوفي والفطري الذي تتقاطع كل مسالكه عند "طنجانا" المشتهاة، طنجة المنبعثة من عبق التاريخ والمنتجة لعناصر الافتتان ولمحفزات التأمل والكتابة والإبداع..




نشر الخبر :
نشر الخبر : Administrator