آخر الأخبار :

أدَبــاء مغـاربـة يـرثـون الـرّاحـل أنقــار .. مفرد بصيغة الجمـع ومُبدع منار

أدَبــاء مغـاربـة يـرثـون الـرّاحـل أنقــار .. مفرد بصيغة الجمـع ومُبدع منار

جريدة الشمــال - عبد الجواد الخنيفي ( الـرّاحـل أنقــار)
الجمعة 09 مــارس 2018 - 17:22:19

وَدّعَنـا مساء يوم الخميس المنصرم، 15 فبراير 2018، بمدينة تطوان، عن سن 72 سنة، الأديب المرموق الدكتور محمد أنقار، الذي يُعدّ أحَد الـرمـــوز الإبداعية الــرائدة في الرواية والقصة القصيرة بالمغرب، ومنارة علمية وأكاديمية سامقة فتحت البحث والتحصيل والمُنجز النصّي على قراءات استكشافية جديدة ومُجددة، ستظل بأفقها الواسع ونفسها الطويل والبارع تتفاوت قيمة وطموحاً بين الأجيال والقراء.

في هذه المساحة من الحزن والفقدان التي اختلطت فيها الحواس والعواطف، ننصت إلى شهادات من أدباء وشعراء مغاربة ،في حق الأديب والأكاديمي الراحل.

كتب الشاعر المغربي العميق عبد الكريم الطبال بحب بالغ ومؤثر شعرا، وهو يعانق الأديب الراحل محمد أنقار، فقال:
سوفَ أصمتُ / قبلَ قليلٍ / لأنِّي اختفيتُ / عن الوقتْ / الْتجأتُ / إلى طلِّ ريحانةٍ / هي تعرفُ / أنِّي بلا أيِّ ثوبْ / هي تعرفُ / أنِّي أحبُّ الظّلالْ... فيا أنتَ / كنّا نحبّكَ في الشّمسْ / كنّا نحبّكَ / تحتَ الظّلالْ... رحمة الله تشملك.

بدوره، قال القاص والأكاديمي مصطفى يعلى، رفيق درب الراحل، "تربطني بفقيدنا الصديق الأعز أ. د. محمد أنقار علاقة صداقة طويلة، تنيف على نصف قرن. وبالضبط منذ 1965 بداية سنوات دراستنا الجامعية بظهر المهراز في فاس، ثم تم تعيننا كأستاذين بالثانوي في مدينة القنيطرة. ورغم انتقاله إلى تطوان، لم تفتر صداقتنا يوما، بل ظللنا على اتصال وتواصل دوما، خاصة وأنني كنت أتردد على تطوان باستمرار لكون زوجتي من هناك ".

وأضاف يعلى : "بهذا يمكنني، ونظرا لضيق المجال، أن ألخص شخصية الفقيد في مجموعة من السمات الرائعة. فمن حيث شخصية الإنسان، تميز المرحوم بدماثة الخلق وفضيلة التواضع وكرم الوفاء وحسن التواصل مع الجميع، وما إلى ذلك ".


ومن حيث موهبته الإبداعية: "فهو كتب القصة القصيرة ببراعة أحرى الرواية، ومارس التشكيل وأقبل على الموسيقى الكلاسيكية استماعا وتعلما، وولع بالسينما أيّما ولع، وكذا بالمسرح. أما من حيث الأستاذية والبحث والتأطير، فقد تميّز بنفس الجدية المفرطة التي كانت تحكم علاقته بالإبداع. مما مكّنه أن يعدّ مجموعة من الباحثين اللامعين، هم حاليا أساتذة وباحثون ومبدعون ناضجون"، يقول يعلى، مضيفا أن كل ذلك انعكس تقديرا واحتراما واعتزازا به، من لدن الجميع، طلبة وأساتذة وقراء، فألف رحمة على روحه.

من جانبه، سافر الشاعر والأكاديمي أحمد هاشم الريسوني في ذاكرة البدايات بكلية الآداب بتطوان حيث قال: "عرفت سنة 1982 تحولا كبيرا في مسِير حياتي حيث ولجت الجامعة عبر كلية الآداب بتطوان. والواقع أن الشهرة كانت لفاس ثم الرباط، أما تطوان التي أحدثت كليتها للتو تلك السنة بالذات وكانت تابعة لجامعة فاس، فإن التهيب والتوجس كانا هما الإحساس المهيمن على نفسية الطلبة وقتئذ اعتقادا أن فاس هي المركز وهي حامل لواء العلم والمعرفة وأن الهامش لا يمكن استثماره للتكوين الجامعي المنشود!!؟".

واستطرد الريسوني في تصريحه عن أستاذه الراحل أنقار: "غير أن البدايات أبانت عن اقتدار استثنائي في تحصيل المعرفة والتكوين لفائدة الطلبة الوافدين. وقد اجتمعت أسباب عديدة لإنجاح هذه التجربة الرائدة في الشمال، لعل رأس قائمة تلك الأسباب تتمثل في المؤطرين الذين أخذوا على عاتقهم بناء صرح جامعي جديد في منطقة جبالة. ونجد أستاذنا محمد أنقار من أبرز الوجوه التي ساهمت في هذا البناء في صمت وهدوء ونكران تام للذات، ليس مؤطرا جامعيا فحسب، بل صاحب مشروع نقدي تنظيري وتحديثي مُجدِّد، استطاع أن يخلخل من خلاله الكثير من التصورات التقليدية الآسنة والكسولة، فيما يرتبط بقراءة النص الأدبي".

الكاتب محمد أنقار رحمه الله

وأضاف الريسوني: "هكذا تعرفت على هذا الهرم الجامعي وأنا طالب بالكلية، ثم بعد برهات زمنية عابرة عدت إلى الكلية عضوا بهيئة تدريسها، وأصبحت زميلا لأستاذي المبجل رحمه الله، فأحسست أن الرجل لم يتغير قط في تواضعه، وحكمته الصامتة، وأن الشهرة الأدبية والتنظيرية التي طرقت بابه لم تنل منه، بل أصبح أكثر زهدا وانزواء وتواضعا".

وأفصح أحمد هاشم بأنه "ليس الآن أحسسنا بفقدانه، بل منذ تقاعده، والحال أن الأسماء الكبيرة والمُؤسِّسة في البلدان المحترمة لا تحيل مثل هذه الدرر على التقاعد، بل تقبض عليهم بالنواجذ، وتمنحهم فضاء رحبا للتأطير والإشراف والتكوين والاستشارة والتوجيه، لأن الجامعة في أمسّ الحاجة إلى تجاربهم الفريدة؛ وتلك هي شرارة التقدم عند الأمم".

واستحضر الناقد والروائي يحيى بن الوليد مناقب الفقيد أنقار وارتباطه بمدينته، قائلا: "فارق القاص والمبدع والروائي الحياة بمدينة تطوان التي آثر البقاء فيها متدرجا في أسلاك التدريس، بدلا من الرحيل إلى الرباط العاصمة".

واعتقد بن الوليد جازما بأن الراحل كان محقا في هذا الاختيار الكاشف الذي ينم عن عمق أخلاقي نبيل، ظل ملازما للرجل إلى آخر أيامه، وذلك كله في المدار الذي جعل منه "علامة علمية" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل، من أوّل لحظات التأسيس، بعد أن ظل مصرا على التدريس في جميع مستوياتها دون أن تسجل على الرجل أيّة "شائبة".

وأشار بن الوليد إلى أنه تفاجأ بأستاذ أربعيني اسمه محمد أنقار مدرسا لـ "الشعرية الأرسطية" في مدرج يتسع لـ 600 طالب أو أكثر، وقال: "لقد لفت انتباهي، من أول محاضرة له، طريقته الأكاديمية البيداغوجية. صرامة وتدقيق وتدرج وصبر ظاهر في التلقين والتبليغ". وأكد بن الوليد أن الرجل بدا من أول درس "عالما"، ولا يمكن لأي كان من المتحمسين للمعرفة إلا تصدر الصفوف الأمامية والإنصات لما يقوله في اندهاش جارف وباهتمام زائد.
ها هو محمد أنقار، يضيف المتحدث نفسه، "قد بلغ القيمة النقدية والقيمة الروائية بالوسط النقدي والإبداعي بالمغرب من خارج مركز الرباط. أفخر بأن أكون واحدا من طلبته الكثيرين، ومن أصدقائه، حتى وإن لم أجالسه إلا مرتين".

"رحم الله أستاذ الأجيال والإنسان الفذ والمبدع العميق السي محمد أنقار"، كما كتب تلميذه الوفي والخلوق الأستاذ الجامعي الصادق الحيرش ضمن سيل من الكتابات من قبل محبيه. رجل لا يختلف بصدده اثنان. رجل لا يتكرر، وقلما يجود بأمثاله زماننا المعرفي وشرطنا الإنساني.

وتحدث القاص والشاعر عبد الله المتقي عن رحيل الفقيد محمد أنقار بالقول: "ورقة أخرى تسقط من شجرة السبعينيين في المغرب الثقافي، فالفقيد قامة عملاقة وسمت المشهد الأدبي. كان كاتبا صامتا بعيدا عن الضجيج وتلميع اسمه، في الوقت الذي تعدّد فيه (المُدّعُون) وأصحاب الحظوة الزائدة".

وأضاف المتقي أن أول لقاء له بالفقيد كان مع كتابه "قصص الأطفال بالمغرب" (1998)، الذي يمكن اعتباره أول أطروحة جامعية تهتم بأدب الطفل، ليكون اللقاء الثاني بعدها وكما العسل الحر مع مجموعته القصصية "زمن عبد الحليم". "وكان سيجمعنا حوار بعد أن طلبت رقم هاتفه من صديقه الحميم ونصفه الثاني الأديب والصديق مصطفى، لكن حالته الصحية حينها لم تكن تسمح بهذا بعد أن رحب بصوته الموغل في إنسانيته". وزاد المتقي: "نأمل أن يترسخ اسم الراحل على شارع ما بمدينة تطوان أو بمعلمة ثقافية، وأن تصدر وزارة الثقافة أعماله الكاملة".

يذكر أن الراحل محمد أنقار من مواليد مدينة تطوان سنة 1946، اشتغل أستاذا جامعيا بكلية الآداب بتطوان منذ سنة 1982، وترك العديد من الدراسات الرائدة، بالإضافة إلى نصوص روائية وقصصية زاخرة بإيقاعاتها العميقة تشكل للقارئ زادا رحبا وغنيا: "بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الاسبانية" (1994)، "زمن عبد الحليم" (قصص 1994)، "بلاغة النص المسرحي" (1996)، "قصص الأطفال بالمغرب" (دراسة 1998)، "صورة عطيل" (دراسة 1999)، "مؤنس العليل" (قصص 2003)، رواية: "المصري" (2003)، "الأخرس" (قصص 2005)، رواية: "باريو مالقا" (2008)، رواية: "شيخ الرماية" (2012)، "ظمأ الروح" (دراسة 2007)، "الحصن الخشبي" رواية مترجمة عن الاسبانية... وغيرها من الأعمال الأدبية المتميزة.

على روح الفقيد العزيز واسع الرحمات..




نشر الخبر :
نشر الخبر : Administrator